الأربعاء , نوفمبر 22 2017
أخبار عاجلة
الرئيسية / الرئيسية / طلاب منسيون !

طلاب منسيون !

المشاهد – عمان – عدن – صنعاء

تحقيق: ابراهيم المعلمي وفؤاد راجح

عطّل الطالب اليمني محمد ابراهيم دراسته الجامعية للعمل بمطعم في عمان حتّى يفك رهن جواز سفره المحتجز في المطعم ذاته مقابل ٥٠٠ دينار ثمنا لوجبات تناولها على مدى عدة أشهر بعيدا عن عائلته في الغربة.

فإبراهيم (22 عاما) بات يتأرجح بين العلم واستجداء العمل لكسب قوت يومه وسداد ديون تراكمت بسبب تأخر مخصّصات تعليمه لمدة تزيد عن ستة أشهر. “ندفع كل ما نستلمه إيجار البيت وفواتير الماء والكهرباء والإنترنت، وتسديد بعض الديون الخاصة بالمواصلات ومصاريف الذهاب لجامعة عمان الأهلية”، يشتكي إبراهيم المقيم في عمان منذ 2014 كمبتعث ضمن اتفاقية التبادل الثقافي بين اليمن والأردن.

سكينة ردمان المبتعثة الأخرى من اليمن، اضطرت هي الأخرى للعمل في واحد من أكثر البلدان العربية غلاء في الأسعار (إطار)، لتتمكن من استكمال دراسة طب الأسنان في الجامعة الأردنية.

 

مشكلتا إبراهيم وردمان تتكرر مع 587 طالبا وطالبة يمنيين ابتعثتهم السلطات اليمنية للدراسة في الأردن في مختلف التخصّصات.

يعاني الطلاّب من ازدواجية الحرمان: تأخر وصول مخصّصات المعيشة باستمرار وكذلك انقطاع الرسوم الجامعية لـ 204 طالبا وطالبة مهدّدين بالطرد بسبب تأخر وصول الرسوم من بلادهم، أي ثلث البعثات تقريبا في الأردن. وتتكفل الحكومة الأردنية بتمويل دراسة 383 طالبا يمنيا، بموجب بروتوكول التبادل الثقافي.

أكثر ما يخشاه الطلاّب، الطرد من السكن الجامعي أو من بيوت مستأجرة، بسبب تأخر مخصّصات المعيشة الربعية (كل ثلاثة أشهر). “إذا لم يصلنا الدعم لدفع إيجار السكن في الوقت الذي لا نستطيع فيه الرجوع للسكن الجامعي: أين نذهب، إلى الشارع”؟ تشتكي سكينة ردمان بغصّة.

يتوزع الطلاب اليمنيين في جامعات أردنية؛ في صدارتها الجامعة الأردنية، تليها اليرموك ثم جامعة مؤتة. ويتوزع بقية الطلاب في جامعات أردنية أخرى.

الحكومتان المتنازعتان في اليمن تتبادل الاتهامات حيال الجهة المسؤولة عن تأخير تمويل بعثات الطلاّب في الخارج، بما في ذلك في الأردن.

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لشؤون البعثات في حكومة الحوثيين تتهم الحكومة المدعومة دوليا برئاسة عبد ربّه منصور هادي بالفشل بالوفاء بالتزاماتها. “للأسف حكومة عدن فشلت في تحمّل مسؤولياتها أمام الطلاب بعد أن أغلقت الوزارة (في حكومة هادي) حسابها في صنعاء ونقلت البنك المركزي إلى عدن”، حسبما يقول وكيل وزير التعليم العالي د. عبد الكريم الروضي (صنعاء).

ويجادل الروضي أن وزارة التعليم العالي (عدن) صرفت مخصصات بعض الطلاب في الخارج ولم تصرف للجميع”، في إشارة ضمنية إلى فرز المستفيدين على أساس أيديولوجي.

من جهته يقول وزير التعليم والبحث العلمي د. حسين باسلامه في مقابلة مع معد التحقيق: “نحن المسؤولون عن كل ما يجري للطلاب في الأردن وبقية البلدان ونعي ما يمرون به، وندرك أهمية استعجال صرف مستحقاتهم”.

ويشرح باسلامة بأن “المسائل المالية عادة تتطلب تأخير، وظروف البلد صعبة وغير عادية وعلى الطلاب تقدير مثل هذه الأوضاع. ونحن نعمل على سرعة صرف مستحقاتهم المالية”.

وظلّت وزارة المالية التابعة لحكومة الحوثيين ترسل مخصّصات جميع الطلاب من تاريخ اجتياحها لصنعاء عام 2014 وحتى سبتمبر/ أيلول 2016، تاريخ نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، التي باتت مقر الحكومة المركزية، بموجب حوالات موثّقة أكدها الطلاب.

تخصّص السلطات اليمنية ثلاثة عشر مليون دولار كل ثلاثة أشهر للطلاب المبتعثين في ٣٨ دولة حول العالم. نصيب الطلاب اليمنيين في الأردن (مليون ومائة ألف دولار). يحصل طالب البكالوريوس على (١٨٠٠) دولار كل ثلاثة أشهر، مقابل (٢١٠٠) دولار لطالب الماجستير أو الدكتوراه.

ولم تكن مخصصات الطلاب اليمنيين في الأردن تتأخر أزيد عن أسبوع أو أسبوعين حتى العام ٢٠١٤، بحسب توثيق معد التحقيق من خلال مراجعة بيانات الحوالات الصادرة عن وزارة المالية اليمنية. لكن منذ منتصف ٢٠١٥، تزايدت مدد التأخير تدريجيا وصولا إلى شهر ثم صعودا إلى ستة أشهر في ٢٠١٧.

منذ مطلع ٢٠١٧، صرفت الحكومة اليمنية (في عدن) مخصّصات ثلاثة أشهر في مايو الماضي، أي بعد أكثر من شهر على صدور قرار بذلك عن رئيس وزرائها أحمد بن دغر وبعد ستة أشهر على صرف آخر مخصص.

قال رئيس الوزراء في حكومة (عدن) د. أحمد بن دغر: “أن الحكومة ومن منطلق مسؤولياتها وواجباتها تجاه كافة الطلاب تعمل جاهدة على توفير مناخ تعليمي آمن بعيداً عن المتاعب والصعوبات لأبنائنا الطلاب الذين هم مستقبل اليمن الزاهر”.

 

ويضيف بأن “الحكومة أرسلت أكثر من 14 مليون دولار وهي مستحقات الطلاب المبتعثين للربع الثالث والربع الرابع من العام 2016 لجميع الوزارات والجامعات دون استثناء”.

على أن محمود قحطان طالب الهندسة المدنية في جامعة اليرموك لا يثق بوعود رئيس الحكومة: “مهما وعد فقراره ليس بيده، فقط يعطي وعودا لتمضية الوقت، فاقد الشيء لا يعطيه”.

إقرأ أيضاً  العثور على جثة شاب مذبوح بشارع الميناء بمدينة الحديدة غرب اليمن

يسانده في الرأي محمد الهمداني، طالب في جامعة اليرموك: “جئت إلى هنا للدراسة وليس للعمل في المطاعم”. ويضيف: “لولا الخوف على مستقبلي ونظرة والدي وحسرته فيما لو عدت إلى اليمن دون استكمال دراستي، ما كنت لأصبر على كم الإهانة والألم يوميا بسبب تأخر المخصصات”.

معاناة مكتملة

وثق معد التحقيق معاناة 60 طالبا يمنيا في الأردن عبر استبيان وزع عليهم خلال زيارات لأماكن تواجدهم في مناطق متفرقة من عمان، إربد والزرقاء.

أظهر الاستبيان أن ٧٥ ٪ منهم تغيب مرّات عديدة عن الجامعة لعدم توفر مصاريف المواصلات، و٩٠٪ لديهم ديون متراكمة فيما أجاب ٢٥٪ منهم فقط أنهم منتظمون دراسيا. وانتقل ٦٣ ٪ منهم من مساكنهم السابقة ليتجّمعوا ضمن أعداد كبيرة تصل إلى عشرة طلاب في الشقة الواحدة حتى تنخفض أعباء الإيجار.

يقول عبد المجيد مصلح، طالب بكالوريوس في عامه الأخير في كلية الإعلام بجامعة اليرموك: “عندما بدأت المخصصات المالية تتأخر لعدة أشهر، أصبحت أمام خيارين، إما أن أستدين مالا لدفع إيجار السكن أو أن أغادره وهذا فعلا ما قررته في الأخير”.

ويضيف: “كلما ساءت الظروف أبحث عن عمل لتسيير أموري، لكن أحيانا لا أجد العمل المناسب الذي أستطيع أن أوفق بينه وبين الدراسة”.

تدني مستوى التحصيل العلمي

السفارة اليمنية في عمّان (التابعة لحكومة عدن) تتدخل لحل مشكلة نجاح الطلاب المتغيبين، لكنّ ذلك يؤثر على استكمال محتوى تخصصاتهم. إذ يلجأ الملحق الثقافي في السفارة د. عبد الكريم الورافي إلى تصديق آلية شطب مواد – تغيّب عنها الطالب- ضمن تخصّصه بعد موافقة الجامعة على ذلك، حتى يتمكنوا من الانتقال للمستوى اللاحق، بحسب الوثائق المرفقة.

ويقول الورافي: “ندرك أن وضع الطلاب صعب للغاية لكننا نحن لسنا جهة إيرادية، مهمتنا إعداد كشوفات وبيانات الطلاب وموافاة الوزارة بها والحكومة هي المسؤولة عن توفير المستحقات المالية”.

 

وتخصم رسوم المواد المسحوبة بخصمها من مخصصات الطلبة، وبالتالي يخسر الطالب مادة في تخصصه وتكسب السفارة استعادة رسوم تلك المادة.

الملحق الثقافي في سفارة اليمن يؤكد هذا الإجراء. “اشترطنا على الجامعات الأردنية موافقة السفارة عند سحب الطالب لأي مادة من تخصصه، وألزمنا الطالب بدفع (إرجاع) رسوم المادة المسحوبة”.

وبسبب تأخر المخصصات، فوّت نبيل أحمد، طالب هندسة حاسوب في جامعة عمان الأهلية، محاضرات وامتحانات ستة مواد نتيجة انخراطه في العمل. وبذلك تلقى إنذارا نهائيا بالفصل من الجامعة، بسبب انعكاس غيابه المتكرر على تدنّي مستواه التعليمي.

حين تأتيه الجرأة، يستلف أحمد من بعض أصدقائه، ممن يحصلون على مساعدات من أسرهم، دينارا واحدا في اليوم ليتمكن من الذهاب للجامعة. ويقول: “من الصعب أن تطلب أو تتوقع من صديق أن يقدم لك الدعم المالي يوميا، أيام عديدة لم أذهب إلى الجامعة بعد أن بدأت مستحقاتنا المالية تتأخر”.

فضلا عن ضياع وقت الدراسة في العمل، يتعرض طلاب لضغوط نفسية نتيجة تعمق أزماتهم المالية، ما تفاقم نتائج تحصيلهم العلمي، بحسب محمود قحطان، الطالب في الهندسة المدنية في جامعة اليرموك. يقول محمود: “أصبح الطالب يعاني من مشاكل لا يفترض به أن يتحملها: الأكل والشرب والسكن والكهرباء والمواصلات، لا يجب أن تكون هذه الأمور من أولويات الطالب لأنها تسبب له ضغوطا نفسية وتؤثر على تحصيله العلمي”.

يواصل محمود حديثه بعد صمت وجيز: “لماذا لا تعيدنا الحكومة إلى بلادنا، لا توجد لدينا مشكلة في ذلك، أطالبهم التفكير بجدية في ذلك”.

حال الطلاب تتناقض مع تطمينات الحكومة “الشرعية”.  إذ يقول د. باسلامة إن هذه القضية “تؤرقنا لأنها يجب أن لا تتأخر. الحكومة تتابع هذه المسألة باهتمام بدءا برئيس الجمهورية عبدربّه منصور هادي”.

وعود وسراب

على أن طلاب اليمن في الأردن يعيشون بين وعود الحكومة المتكررة بصرف مخصّصاتهم وبين نذر التشرد وخسارة أحلامهم بنيل شهادة جامعية.

” لم أعد أصدق أي وعود للحكومة، ولن أعود إلى بلدي من دون شهادتي الجامعية وسيذكر التاريخ أن مسؤولينا تناسونا ورمونا في نار الغربة وجحيم الحاجة”، حسبما يقول محمد الهمداني.

عبد المجيد مصلح يتهم سفارة اليمن في الأردن بالتنصل من وعودها والحكومة اليمنية بالتساهل في مستقبلهم، الأمر الذي ينفيه الملحق الثقافي اليمني في عمان.


ومن وقت لآخر، ينظم الطلاب اعتصامات أمام الملحقية الثقافية للسفارة اليمنية، لكن دون جدوى تذكر.

تقول ردمان: “الملحقية الثقافية في سفارة اليمن بعمان لا تتعاون معنا ابدا، كلما نفذنا اعتصاما تخبرنا السفارة والملحقية الثقافية أن المشكلة ليست منهم وسينقلون معاناتنا للحكومة”. وتضيف: “نتلقى وعودا من السفارة اليمنية لكنّها تذهب أدراج الرياح، الحكومة تعدنا فقط فيسبوكيا أما على أرض الواقع لا يوجد أي تجاوب”.

 

تم إنجاز هذا التحقيق بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج)- www.arij.net وبإشراف الزميل محمد الكوماني.